السيد حيدر الآملي

408

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وفيه قيل : الظّاهر عنوان الباطن . وإليه أشار أمير المؤمنين ( ع ) في قوله : اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا على مثاله فما طاب ظاهره طاب باطنه ، وما خبث ظاهره خبث باطنه ، وقد قال الرّسول الصّادق صلوات اللّه عليه وآله : إنّ اللّه يحبّ العبد ويبغض علمه ويحبّ العمل ويبغض بدنه . واعلم أنّ لكلّ عمل نباتا ، وكلّ نبات لا غناء به عن الماء ، والمياه مختلفة ، فما طاب سقيه طاب غرسه وحلت ثمرته ، وما خبث سقيه خبث غرسه وأمرّت ثمرته « 107 » . وقوله تعالى عقيب قوله : ولو شاء اللّه لجعلكم أمّة واحدة ، دالّ على ما سبق من البحث كلّه ، وهو أنّه لو شاء أن يجعل النّاس بأسرهم أمّة واحدة وملّة واحدة على سبيل الإلجاء والقهر لأمكن ، لكن ما شاء إلّا على سبيل الاختيار والإرادة ، لأنّه لو كان كذلك لكان خارجا عن العدل والقسط خلافا للعلم والحكمة ، وقوله : ولكن ليبلوكم فيما أتيكم إلى آخره ، يؤكّد هذا صريحا لأنّه يقول على سبيل التهكّم والحكم ، والتّعليل أنّ المقصود من هذا الأمر كان ابتلاؤكم واختباركم ليمتحنكم بأنّكم كيف تقومون بأمره وتكليفه وكيف تجهدون في تحصيل رضائه ، وإجراء أحكامه ، لقوله أيضا فاستبقوا الخيرات ، لأنّه إشارة إلى سبق الخير وتأخير الشرّ وتحصيل الكمالات بالسّعي والاجتهاد ، فالعبد لو لم يكن مختارا في فعله لم يكن مخاطبا بهذه الأمور المبتنية على اختياره ، ولهذا قال عقيبه : إلى اللّه مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ، لأنّه إشارة إل أنّ مرجع الجميع إليّ فأنا أنبّئهم فيما كانوا فيه من الاختلاف ، والحكمة البالغة فيه ولا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السّماء ولا في الأرض كما أشار إليه في كتابه : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ سورة القمر : 49 ] .

--> ( 107 ) قوله : وإليه أشار أمير المؤمنين ( ع ) في قوله : اعلم أن لكلّ ظاهر الخ . نهج البلاغة صبحي الصالح الخطبة 154 ص 216 ، ورواه أيضا ابن أبي جمهور في عوالي اللئالئ ج 1 ، ص 277 ، الحديث 107 ، وقول النبيّ ( ص ) في عوالي اللئالي فقط .